1 صالة الانتظار الفارغة
وأنت تقضي حياتك كلها واقفًا عند عتبة الباب.. فلا أنت في الخارج حيث بدأت الرحلة.. ولا أنت في الداخل حيث يستقر الجسد.. دعني أصارحك.. أنا أيضًا أجد نفسي هناك كثيرًا.. في ذلك الإحساس الغريب.. الإحساس بأن كل ما نفعله الآن من عمل وسعي هو مجرد تمهيد لشيء حقيقي سيحدث لاحقًا.. وكأن صوتًا خفيًا يهمس لنا بأن الستار لم يُرفع بعد.. وأن المشهد الذي نؤديه الآن ليس إلا بروفة أخيرة قبل العرض الكبير.. وهذا الشعور إنما يحول حياتنا إلى صالة انتظار كبرى.. صالة فارغة.. رغم أن صفحات عمرنا تمتلئ بالأحداث.
والانتظار هو ذلك الشعور بأن هناك فصلاً مفقودًا في روايتنا لم يبدأ بعد.. رغم أننا في منتصف الكتاب بالفعل.. والانتظار هو أن نغرق في ضجيج الهواتف.. لأن صمت الانتظار ثقيل علينا.
ونحن بارعون.. بارعون بذكاء مثير للشفقة.. في إقناع أنفسنا بأن المعنى سيأتي لاحقاً.. نقول لأنفسنا إن الأمور ستتضح عندما نصل للنتيجة الفلانية.. أو عندما نفهم أخيراً لماذا حدث لنا ما حدث.. وهذا الربط الشرطي يجعل اللحظة الحالية تبدو ناقصة.
وببساطة، فإننا نعتبر الحاضر مجرد جسر نعبر عليه لنصل إلى الجوهر.. لكن الحقيقة التي نكتشفها متأخراً هي أن الجوهر يتسرب من بين أصابعنا بينما نحن مشغولون بمراقبة الشمس وهي تغيب.
والمثير للتأمل هو تغير ما ننتظره مع مرور الوقت.. في البداية ننتظر نتائج ملموسة: شهادة.. وظيفة.. أو اعترافًا من الآخرين.. ثم ننضج قليلاً فنبدأ في انتظار شعور معين.. ننتظر أن نشعر بالأمان أو بالرضا الذي طال تأجيله.. وفي النهاية نكتشف أننا ننتظر فهمًا أعمق.. ننتظر أن تتصالح أفكارنا مع واقعنا.. وهذا التطور في منظور الانتظار هو الذي يحول الانتظار من مجرد تضييع وقت إلى رحلة وعي تنضج على نار هادئة.
وأكبر خدعة نمارسها ضد أنفسنا هي انتظار اكتمال الصورة.. ونؤجل السعادة حتى تتضح الرؤية تمامًا.. متناسين أن الرؤية لا تتضح إلا بالمشي للأمام والتقدم نحو المرأى.. واللحظة الحالية، بكل ما فيها من نقص وعدم وضوح وزحام، هي المساحة الوحيدة المتاحة لنا للفعل والعيش الحقيقي.
والسؤال الأهم: ماذا تفعل الآن في هذه اللحظة الانتقالية؟
كيف تتعامل مع هذا الوقت الذي كنت تعتبره ضائعًا في انتظار شيء آخر؟
ولن تكتمل الصورة أبدًا بالشكل المثالي الذي رسمته في خيالك.. وهذا ليس خبرًا سيئاً على الإطلاق.. فكلنا عالقون في الانتظار بشكل أو بآخر.. لكن الفارق يكمن في قدرتنا على انتزاع المعنى من قلب هذا الترقب.. فإذا كان الانتظار قدرًا لا مفر منه، فماذا تنوي أن تفعل وأنت تنتظر؟