1 المستحيل ماضٍ، والأمل مستقبل، والممكن حاضر!

العلاقة بين الإنسان والزمن هي العلاقة بين ما لا يُدركه الإنسان.. وما يتمناه.. وما يعيشه.. فالماضي، إذ يُقال عنه إنه مستحيل، فإنما يُقصد به ما لم يعُد ممكنًا.. لقد تحول الماضي إلى دخانٍ قد تلاشى في الهواء.. حتى وإن بدا قابلاً للتصحيح في الذاكرة.. في الذاكرة وحدها.. فإنه يظل في الحقيقة مستحيلاً تغييره.

وأما الأمل فموطنه المستقبل، لأنه وعدٌ لم يتحقق بعد.. هوةٌ صغيرة في جدار الزمن.. يُطلّ منها الإنسان على ما يتمناه.. والأمل وهو نقيض اليأس فإنه لا مغنى عنه للحركة واستمرار الحياة.

وأما الممكن، وهو لبّ هذه المعادلة، الزمن الحاضر.. الزمن الوحيد الذي يمكن تغييره.. والعمل فيه.. والتفاعل معه.. الميدان الذي تتصارع فيه القوى.. وتُنتَج فيه القرارات.. وتُصاغ فيه النتائج.. الممكن ليس حلمًا ولا ذكرى، ولكنه أعمق من ذلك، إنه الآن.. اللحظة الحالية التي تراوغنا.. والتي لا نكاد نلمسها حتى تتحول إلى ماضٍ.. أو تقذفنا إلى مستقبل.

هذا التوزيع للأزمنة يُعيد تعريف الإنسان بأنه: أسير المستحيل.. لأنه لا يستطيع محو ماضٍ يؤلمه.. وأنه: راجي الأمل.. لأنه لا يضمن المستقبل ولا يأمنه.. وأنه: مالك الممكن.. لأنه قادر على تحويل اللحظة الحالية إلى معنى.. والإرادة الذاتية إلى أثر في المستقبل بفعل ينتج أثماره فيما بعد.. أو في الماضي حيث يترك وراءه ذكرى طيبة.

وما أدعو إليه إنما هو أن نُعيد ترتيب علاقتنا بالزمن.. أن نعقد مع الزمن صلحًا.. أن نرضى عنه ونرتضي به.. فلا نبكي على المستحيل.. ولا نُعلق حياتنا على أمل قد لا يأتي.. وإنما نُنزل الممكن منزلة السيادة.. ونعيش الحاضر بوصفه النقطة الزمنية الوحيدة التي يمكن لحريتنا أن تتحقق فيها.. ولإرادتنا أن تعمل فيها.. أما النتائج المستقبلة فلا نملكها.. والذكريات الماضية لا نملك إلا أن نتقبلها.. ونسترجع أحسنها.. ولا نكرر أخطاءها.