1 لماذا يتبخر الوقت؟
أصبحنا نعيش في أفران تحرق الوقت.. ساعاتنا تتبخّر كما يتبخر المطر على الإسفلت الساخن.
في الماضي، كان الناس يشعرون بقيمة الوقت من خلال المواسم.. ونُضج الثمار.. ومن تغيّر ظلّ الجدار مع شمس الظهيرة.
أمّا اليوم، فقد أصبح الوقت يتسرب من بين أصابعنا في مهام مؤجلة.. وإشعارات متواصلة.. وفي شعورٍ غامض أننا دائمًا متأخرون عن شيءٍ لا نعرف ما هو.
وقد تحوّل الوقت من حليفٍ هادئ إلى خصمٍ يركض أمامنا دون أن يلتفت.. وبتنا لا نعيش اللحظة بل نهرب منها.. الهاتف في يد، والخطة القادمة في الرأس، والتوتر صاحب حميم.. وحتى الراحة لم تعد راحة.. راحتنا أضحت مؤقتة، محشورة بين فقرتين في جدول مزدحم.
وقد تحوّل الزمن إلى سلعة.. يُباع ويُشترى.. وصارت السرعة تعني الكفاءة.. والعجلة دليل النجاح.. ولكننا نسينا أن النار أيضًا سريعة.. ونسينا أن تدمير المدن أسرع من بنائها.
وقد أصبحنا نُقارن السرعة بالجودة.. وكأن البذرة التي لا تنمو في يومٍ واحد يجب أن تُرمى في سلة المهملات.. وهكذا أصبحنا نحرق السعف قبل أن يثمر.. ونقتل الفكرة قبل أن تنضج.. متجاهلين أن كل ما هو عميق يحتاج وقتًا ليظهر.
في طفولتنا، كان اليوم طويلًا كقصّة.. وكان كل شيء يدهشنا.. وكل لحظة لها طعم ومذاق.. أمّا الآن، فتمرّ الشهور دون أن نشعر أننا عشناها أصلًا.. لأننا لم نعد نبطئ ولا نصغي.
فحين نُبطئ نرى.. وحين نُصغي نُدرك.
وإن كان لا يمكننا إبطاء دوران الأرض، إلا أنه بمقدورنا استعادة حقنا في التمهّل والتأمل.
وحين نتأمل ورقة تسقط، أو نَجمة تتحرك، ننتصر.. ننتصر ولو مرة على أيام الاحتراق.
وكل لحظة نهدرها في العجلة، تحرمنا من الحكمة.. تحرمنا من الوعي.. ألا نلاحظ أن تصرفات الناس باتت بغير وعي.. لا يدري القاتل فيما قتل.. ولا المقتول فيما قتل.
ولعلنا نُدرك قبل فوات الأوان، أن أجمل ما في الوقت هو أن نعيشه بتفاصيله.