يومٌ حار.. يليه يومٌ بارد.. لماذا يتقلّب الجو بهذه السرعة؟ هذا سؤال وجيه.. ولكن السؤال الأكثر وجاهة هو: وماذا لو لم يتقلب الجو أبدًا؟
لو لم يتقلب الجو لغابت الفصول.. ولو لم يتقلب الجو لفقدت الأرض نبضها.. وحياتها.. ونموها.. ولفقدت النباتات رونقها وتميزها وتمايزها.. ولما هاجرت الطيور.. ولا اشتاقت لموطنها الأصلي.. ولا تأقلمت مع أجواء مختلفة.. ولفقدت قوة الفقد والاحتمال.
والحياة بلا فصول تفقد المشاعر وقودها.. فلا برد يدفعنا للاحتواء.. ولا حرّ يدفعنا للانطلاق.. فكل فصل هو صفحة في كتاب الشعور البشري.
وذاكرتنا.. لو لم يتقلب الجو لكانت ذاكرتنا رتيبة ومملة.. فقد تعودنا أن تكون ذكرياتنا موسمية.. فأول فوز في شتاء.. وأول حب في ربيع، أول خيبة في خريف.. وأول رحلة في صيف.. والجو المتقلب رفيقنا.. بل هو بطل أساسي في قصتنا.
والجو المتقلّب ليس خللاً.. لكنه حكمة.. فلا ندرك النور إلا بعد العتمة.. ولا نحتمل الحر إلا بعد البرد.. ولا نشتاق البرد إلا في قيظ الصيف.. فالتقلب حكمة مطوية في اختلاف الليل والنهار.. وشِعرٌ عميق مكتوب بلغة الشمس والمطر.. ورواية تروى بلغة الصيف والشتاء.